الصالحي الشامي

19

سبل الهدى والرشاد

تعالى عنه - أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ، ثم اعتذر إليه ، فقال : ( إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر ) أو قال : ( على طهارة ) ( 1 ) . تنبيهات الأول : قال في زاد المعاد : ( كان - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب في سفر للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه ، وربما يبعد الميلين ، وكان يستتر للحاجة بالهدف تارة وبحشائش النخل تارة وبشجر الوادي تارة ، وكان إذا أراد أن يبول في عزاز من الأرض - وهو الموضع الصلب - أخذ عودا من الأرض فنكث به حتى يثير التراب ، ثم يبول وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث - وهو اللين الرخو من الأرض - وأكثر ما كان يبول وهو قاعد ، حتى قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - : من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه ، وما كان يبول إلا قاعدا ، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة أنه بال قائما ، فقيل كان لبيان الجواز ، وقيل : بل لوجع كان بمأبضه وقيل بل فعله استشفاء . قال الشافعي : والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائما . وقول صاحب الهدي : ( الصحيح . إنما فعله تنزيها وبعدا من إصابة البول ) إلى آخره . فيه نظر ، بل البول قائما في المكان الصلب مما ينجس القدمين بالرشاش . وكان إذا بال نثر ذكره ثلاثا ، وكان إذا سلم عليه أحد وهو يبول لم يرد عليه [ ذكره مسلم في صحيحه عن ابن عمر ، وروى البزار في مسنده في هذه القصة أنه رد عليه ثم قال : ( إنما رددت عليك خشية أن تقول : سلمت عليه فلم يرد علي سلاما فإذا رأيتني هكذا فلا تسلم علي فإني لا أرد عليك ) . وكان إذا استنجى بالماء ضرب بيده بعد ذلك على الأرض ، وكان إذا جلس لحاجته لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض . الثاني : قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - : ( من حدثكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال قائما فلا تصدقوه ) محمول على من اعتقد أن ذلك كان عادة له - صلى الله عليه وسلم - ، وإلا فقد فعله - صلى الله عليه وسلم - مرارا لضرورة ، إذ كان يغشاه الوفود والناس ، ويقوم بأمر الأمة ، فينزل به من ذلك ما يضر به الصبر إلى وصوله إلى بيته أو لا يستطيع إمساكه .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 345 ، أخرجه أبو داود 1 / 5 حديث ( 17 ) والنسائي 1 / 34 والبيهقي 1 / 90 وانظر كلام الحافظ ابن القيم في زاد المعاد ( 1 / 173 ) .